سلسلة وثائقيات الوجدان – التصميم الذكي قيد المحاكمة  <>   سلسلة وثائقيات الوجدان – السمكة داخلك (الحلقة 3)  <>   سلسلة وثائقيات الوجدان – السمكة داخلك (الحلقة 2)  <>   سلسلة وثائقيات الوجدان – السمكة داخلك (الحلقة 1)  <>   سلسلة وثائقيات الوجدان الكون أوديسة الزمكان (13) الكون : الحلقة الثالثة عشرة  <>   سلسلة وثائقيات الكون, أوديسة الزمكان (12) الحلقة الثانية عشر: العالم محرراً  <>   وثائقي الكفرة ـ دوكنز + كراوس  <>   سلسلة وثائقيات الوجدان, الكون أوديسة الزمكان (11) الحلقة الحادية عشر: الخالدون  <>   سلسلة وثائقيات الوجدان,الكون أوديسة الزمكان (10) الحلقة العاشره: الفتى الكهربائي  <>   الإسلام: القصةُ التي لم تُروى  <>  

ماذا يقول علماء الأنثروبولوجيا عن الأديان؟ – كامل النجار

كتبها بتاريخ 16 يونيو, 2013 | اضف تعليقك

يشترك علماء السوسيولوجي “علم الاجتماع” مع علماء الأنثروبولجيا “علم الإنسان” في البحث عن كيفية نشأة الأديان عند الإنسان، وقد سافر أغلبهم إلى مناطق نائية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجزر المحيط الهادي لدراسة القبائل البدائية التي ما زالت معزولة عن العالم وتمارس نفس الطقوس والعادات التي مارسها أسلافهم قبل آلاف السنين
يقول إيفانز-بريتشارد Evans-Pritchards (1902-1973) في كتابه Theories of Primitive Religions إن فصل الأديان البدائية عن الأديان السماوية عملية زائفة تؤدي إلى الغموض وعدم الفهم (Brian Morris, Anthropological Studies of Religion, p 5). فهو يرى أن الأديان البدائية بشعائرها وتابوهاتها المختلفة ما زالت تمثل جوهر الأديان السماوية، وسوف نستعرض هذه النقطة لاحقاً. أما الفيلسوف الألماني فيرباخ (1804- 1872) فيقول إن الدين يمثل مرحلة طفولة الإنسانية، والإله ما هو إلا الإنسان أو طبيعة الإنسان بعد تنقيتها وتحريرها من قيود الفرد (نفس المصدر ص 21).
لماذا وكيف نشأت الأديان؟ يقول الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم David Hume (1711- 1776) في كتابه The Natural History of Religion (1757)، لم تنشأ الأديان عن عملية تفكير وإنما نشأت من عدم اليقين في حياة الإنسان البدائي الذي رأى تقلبات الطبيعة حوله مما أورثه الخوف على مستقبله، وبذا أعطته الأديان الثقة في المستقبل وطمأنينة البال (نفس المصدر ص 142).
أما الفيلسوف والثيولوجي الألماني رودلف أوتو Rudolf Otto (1869- 1937) فيقول في كتابه The Idea of the Holy (1917): إن الأديان لا يمكن فهمها إلا عن طريق “المقدّس”، وهو اعتقاد لم ينتج عن تفكر وإنما عن حدس أو إيحاء نفسي ينم عن قوة غير محسوسة وفوق الطبيعة. إنه شعور بالروع والخشية من تلك القوة المجهولة (نفس المصدر والصفحة).
ويتفق رادكلف- براون Radcliffe-Brown (1881- 1955) مع ديركايم Durkheim أنه لا فائدة من البحث عن كيفية نشأة الأديان وإنما المهم أن نرى أن المعتقدات الدينية نشأت في محاولة من الإنسان أن يعيش في مجتمعات كبيرة وغير منتظمة، ومهمة الأديان كانت تنظيم تلك المجتمعات، وبالتالي فإن المهمة الأولى للأديان هي مهمة اجتماعية (نفس المصدر ص 126).
أما برونسلاف مالونفسكي Bronislaw Malinowski (1884-1942) فيقول إن الإنسان بطبيعته يخشى الموت ولا يريد أن يصدق أن موته يعني نهايته إلى الأبد، وهنا تأتي الأديان لتمنح الإنسان الضمانات النفسية بأن حياته سوف تستمر إلى ما لا نهاية في العالم الثاني. وبالتالي تصبح مسألة الخلود هي جوهر الأديان (ص 148).
يقول فرويد (1856- 1939) في كتابهTotem and Taboo (1913) إن الدين عبارة عن وهم وخداع. ويعتبر أن الأديان طريقة غير مجدية للتعامل مع مشاكل الحياة.
أما كارل ماركس (1818- 1883) فقد اعتبر أن الأديان تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تعوض الفقراء عن فقرهم بوعدهم بالغنى الروحي، بينما تعطي الشرعية اللازمة لطبقة الأغنياء، وبهذه الطريقة فقد ساعدت الأديان على صقل المجتمعات ذات المصالح المتباينة، وفي نفس الوقت حافظت على مصالح الطبقة المتنفذة (نفس المصدر ص 45).
السحر هو جوهر كل الأديان:
يقول الألماني ماكس ويبر Max Weber (1864- 1920) مؤسس علم الاجتماع إن أقدم وظيفة في التاريخ هي وظيفة الكاهن والساحر والشامان، وكلها تعني نفس الشيء، ويكون صاحب الوظيفة من الأشخاص الذين يتمتعون بكاريزما عالية ويستعمل النباتات التي تحتوي على مواد منشطة Narcotics لتمنحه قوة إضافية يبهر بها من حوله عندما يصل به مفعول المواد المنشطة إلى درجة النشوة والابتهاج Ecstacy. ويستعمل الساحر لغة مسجوعة وحركات خفية ليوهم مشاهديه أنه بإمكانه التحكم في المستقبل ودرء الأخطار أو إيذاء أي شخص يختاره باستعمال قوته الخفية أي التي هي فوق الطبيعة.
يقول مالونفسكي إن السحر ينجح وينتشر عندما يعجز الإنسان عن التحكم في المخاطر المحيطة به عن طريق المعرفة. يكثر استعمال السحر في أوقات الحروب وفي الصيد وفي فصول الجفاف عندما يكون مصير غذاء الإنسان معتمداً على الأمطار التي تأبى أن تهطل، أو عندما يمرض إنسان وتعجز الأعشاب عن شفائه. وقتها يتجه الناس إلى الساحر.
ينتشر السحر ويسيطر على حياة القبائل البدائية حتى في وقتنا هذا. نجد مثلاً في قبائل جزر تروبرياند Trobriand التي تقع شمال نيو جني New Guinea بالقرب من استراليا، والتي تُعرف الآن ب كريوينا Kiriwina والتي تقع تحت حكم الحكومة الاسترالية، نجد أن القبائل البدائية التي تعيش في هذه الجزر ما زال يتحكم فيها السحر والساحرات. يعتقد سكان تلك الجزر أن الساحرات نساء يأكلن الجيف ويعرفن كيف يصبحن غير مرئيات invisible. هؤلاء الساحرات يمكنهن أن يطرن في الهواء ويتحكمن في قوارب الصيادين، وغالباً ما يحطمن تلك القوارب إذا غضبن على الصيادين. حتى الموت يكون بتأثير السحر والساحرات. ولذلك عليهم إرضاء الساحر أو الساحرة بتقديم الهدايا وإطاعة أوامره
يعتقد هؤلاء الناس أن الإنسان عندما يموت يمكن لروحه أن تصير شبحاً Ghost يحوم حول مسكن الشخص المتوفى وتقوم بلعب نوع من الخدع على من يقترب من ذلك المسكن، أو يمكن للروح أن تصير Baloma، يعنى روحاً تذهب إلى جزيرة توما Tuma حيث تعيش حتى تشيخ ثم تنقلب إلى جنين تحمله إحدى الساحرات إلى الجزيرة الكبيرة ثم تدخله في مهبل إحدى النساء لتحبل به. وبهذه الطريقة لا يكون للرجل أي دور في الإنجاب، وينسب الأطفال إلا الأمهات. وهذا عكس ما يقول به الدين الإسلامي الذي يكرّس الإنجاب كله في ماء الرجل وينكر دور المرأة في تكوين الجنين. ولذلك نجد أن القرآن يقول إن الله استخرج من ظهور المؤمنين الأوائل ذريتهم وأخذ العهد من تلك الذرية أن يؤمنوا به (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) (الآعراف 172). فالجهل بكيفية تكوين الجنين متساوية بين الأديان البدائية والأديان السماوية.
في البداية كان الدين القبلي امتداداً للسحر والكهانة وكان يعتمد على الطقوس التي يعلّمها الساحر أو الكاهن للناس في قبيلته. ومع مرور الزمن أصبح الساحر هو الكاهن والنبي أو الرسول وتغير الدين من دين قبلي إلى دين سماوي. يقول ديركايم إن الدين والسحر منفصلان، ولكن فان جنب Van Gennep يقول إنهما نفس الشيء وإن السحر هو الجانب العملي للدين بينما الدين هو الجانب النظري الذي يفرض على الناس تعاليم معينة (Brian Morris p 247). وقد استمر السحر كعامل مهم في الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، والإسلام). وقد حاولت اليهودية بكل الوسائل التخلص من السحر والسحرة وأمر العهد القديم بقتل السحرة. وفي المسيحية استمر السحر لعدة قرون حتى أتى كالفن بمحاكم التفتيش وأحرق عشرات الآلاف من الساحرات واستمر حرق الساحرات حتى القرن الثامن عشر كما حدث في أمريكا في مدينة سالم. وفي الإسلام نجد أن محمداً قد زعم أن اليهود سحروه ودفنوا السحر في بئر، فأرسل علي بن أبي طالب ليستخرج السحر بعد أن أخبره جبريل بمكانه. والقرآن يتحدث عن هاروت وماروت الذين أرسلهما الله إلى بابل ليعلما الناس السحر. وأهل مكة قالوا عن محمد إنه ساحر عندما بدأ دعوته فيهم. وهذا يؤكد أن السحر والأديان من نفس الطينة.
إيفان بريتشارد كان كاثوليكياً ممارساً لطقوس دينه وكان عالماً أنثروبولوجياً فذاً. قضى هذا الرجل أكثر من عام مع قبائل الزاندي والنوير في جنوب السودان، وهذه قبائل نيلية بحته لم تختلط مع أي ثقافة أخرى. وبعد أن درس إيفان بريتشارد عاداتهم وطقوسهم أصابه الهلع من أنه سوف ينتهي بتفنيد الأديان السماوية.
بالنسبة للزاندي فإن الساحرة ترث السحر من أمها ويكون في جسمها مادة السحر وهي عبارة عن كيس اسود يكون في منطقة الكبد. وتُعرف الساحرة بعينيها الحمراوين. وللساحرة مساعدون من الطيور والحيوانات الليلية. وللساحرات دهان مخصوص عندما تمسحه الساحرة على جسمها تصبح غير مرئية. والزاندي والنوير يعتبرون أن كل الأمراض الخطيرة والمحن التي يتعرض لها الفرد تكون بسبب أنه أتى بفعل يتعارض مع القيم المحلية مثل الزنى وزنى المحارم والقتل، وهي أشياء تُغضب أرواح الأسلاف. وبما أن المرض ينتج من غضب أرواح الإسلاف فلا بد للمريض من أن يقدم القرابين لأرواحهم كي يُشفى من مرضه. والقرابين بالنسبة للنوير نوعان: النوع الأول يُقدم في حالات المرض والعقم والمآسي الشخصية. والنوع الأخر يُقدم بالإنابة عن القبيلة ويكون في حالات الزواج والموت وبلوغ البنت أو الصبي مرحلة التكليف. وهناك شعائر معينة يقوم بها رجل الدين عند تقديم القرابين مثل إحضار الثور إلى مكان الاجتماع وتقديم الثور إلى روح أحد الأسلاف، ثم مباركة الثور بقراءة بعض التعاويذ عليه، ثم ذبح الثور وشواء اللحم. وهذه الطقوس لا تختلف كثيراً عن طقوس تقديم القرابين إلى يهوه إله اليهود وشواء لحم الثور حتى يشم يهوه رائحة الشواء. والنوير يعتبرون تقديم القرابين للأرواح عبارة عن افتداء وخلاص للروح وكفارة وتطهير لأفراد القبيلة عما اقترفوه من آثام (Brian Morris, p 200). وهي نفس الأفكار التي تعشعش في رؤوس المسلمين عندما يذبحون الهدي في مكة أيام الحج.
يعتبر النوير أن الأرض ملك الإنسان والسماء ملك الإله ويقومون بطقوس أخرى يسمونها طقوس الاستحواذ وتًقام هذه الطقوس عندما يستحوذ روح أحد الأسلاف على شخصً ما. فإذا كان الاستحواذ مؤقتاً يُشفى الشخص بعد تقديم القرابين، ولكن إذا كان الاستحواذ مستديماً فيصبح ذلك الشخص نبياً ويصبح هو الذي يستحوذ على الروح ويكون بالتالي قد امتلك قوة إضافية تمكنه من علاج المرضى والتنبؤ بالمستقبل. ومن مهام هذا النبي قيادة الغزوات ضد قبيلة الدينكا لأخذ أبقارهم. (ربما يكون محمد قد اقتبس هذه الوظيفة من النوير).
الأديان البدائية تعتمد اعتماداً كلياً على الطقوس Rituals التي يقودها الكاهن أو النبي وتستلزم لباساً معيناً ودهن الجلد والشعر بأصباغ معينة. يقول روبرتسون – سميث إن الطقوس أهم عندهم من المعتقدات نفسها. وغالباً ما تصاحب الطقوس موسيقى ورقص تجعل المشاركين يصلون في بعض الأحيان إلى حالة من الانفعال يفقد فيها الشخص التحكم في عواطفه. ونرى بعض هذه الحالات في البلاد التي تنتشر فيها الصوفية الذين يصلون إلى حالة من الهستيريا الجماعية على وقع أصوات الطبول. مهمة هذه الشعائر في المقام الأول هي تقوية الانتماء إلى القبيلة أو المجموعة الدينية.
عبادة الطوطم Totemism:
كل القبائل البدائية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية والهنود الحمر في أمركا الشمالية لديها طواطم تقدسها كجزء وتعبير عن اعتقادهم في أرواح أسلافهم. قد يكون الطوطم عبارة عن نبات أوشجرة معينة أو حيوان . وأهم ما يميز الطوطم عن بقية الأشجار أو الحيوانات هو اللون. فمثلاً في قبيلة نديمبو Ndembu في زامبيا يتكون الطوطم عندهم من ثلاث أشجار ألوانها أحمر وأبيض وأسود. فشجرة الموداي modyi يخرج منها سائل أبيض ولذلك يعتبرونها شجرة بيضاء رغم أنها خضراء، وشجرة الموكولا mukula سائلها أحمر ولذلك تعتبر شجرة حمراء. وفي احتفالات تقديم القرابين يحدثهم زعيم القبيلة عن الأنهر الثلاثة التي تنبع من الإله الأعلى. أحد الأنهر ماؤه أحمر، والأخر ماؤه أبيض والأخير ماؤه أسود. وربما تكون هذه الأنهار هي نفسهخا التي قال العهد القديم إنها تخرج من الجنة، ووافق الإسلام اليهودية وقال إن نهر النيل والفرات يخرجان من جنة عدن. ونفس ألوان الطوطم هي ألوان الأدوية التي يخلطها معالج القبيلة medicine man. فالدواء الأبيض يدل على الصحة والعافية، بينما الأحمر يدل على الدم الذي يسيل من المريض إذا جُرح ومن البنت عندما تبلغ سن الرشد. أما الدواء الأسود فيدل على الليل والمرض وسوء الطالع. ولا بد أن تُخلط الأدوية الثلاثة بترتيب معين لا يحيد عنه المداوي.
والطوطم كذلك موجود في الديانات السماوية الثلاثة رغم زعمهم أنها توحيدية. فنجد اليهود يقدسون حائط المبكي ويترنمون عنده، والمسيحيون يحملون الصليب ويركعون عنده، أما المسلمون فيطوفون حول الكعبة ويغسلونها بماء الورد ويكسونها بالحرير والديباج رغم أنها بناء من طين أقامه عبد الله بن الزبير بعد أن هدم الحجاج بن يوسف الكعبة بالمنجنيق. فلا فرق إذاً بين دين قبلي ودين سماوي.
قبائل الاندمان:
تقع جزر الأندمان في خليج البنغال بين الهند ونيبال، وهي جزر معزولة عن الحضارة. وقد عاش بها رادكلف – براون فترة من الزمن وكتب عن عاداتهم وديانتهم. أهم ما يميز معتقداتهم هو تقديسهم لأرواح الإسلاف التي جعلوا منها روحاً مسؤولة عن كلٍ من البحر والمطر والسماء والغابات. أما القمر والشمس والبرق والرعد فهي الآلهة بالنسبة لهم. وطقس الموت عندهم من أهم الطقوس التي يحرّمون فيها أنواعاً معينة من الطعام. وتمثل لهم الرياح حدثاً مهماً لأنهم في منطقة رياح المنسون المعروفة التي تحيق الدمار بالجزر، ولذلك جعلوا أهم أرواح الأسلاف مسؤولة عن الرياح. بليكو Biliku مسؤول عن المنسون التي تأتي من ااشمال الشرقي، بينما تاراي Taraiمسؤول عن الرياح التي تأتي من الجنوب الشرقي. وديانتهم تعتمد على الشامان (الكاهن) الذي يتصل مع الإله عن طريق الحُلم أو الدخول في حالة استحواذ عندما تسيطر عليه الأرواح ويصبح في حالة هيجان ecstasy. ونسبةً لاتصاله بالأرواح يستطيع الشامان شفاء المرضى والتخفيف من حدة الرياح الموسمية,
بالنسبة للأندمان فإن العالم يتكون من ثلاث مكونات: الأرض وما عليها من حيوانات، والبحر وما فيه من أسماك وحيتان، ثم السماء وما فوق رؤوس الغابات من طيور. وعندما يبلغ الصبيان سن الرجولة عليهم أن يشتركوا في طقس العبور Ritual of Passage الذي يُحرّم فيه أكل لحم السلحفاة والأسماك. وبعد انقضاء فترة المنع يقيم السكان وليمة كبيرة يكون الطبق الرئيسي فيها هو لحم السلحفاة التي يجب أن تُذبح وهي ملقاة عن ظهرها ورأسها في اتجاه البحر. ويجب على الشاب ألا يلمس لحم السلحفاة بيده فيستعمل ملقاطاً مصنوعاً من شجرة الكركديه. ثم بعد ذلك عليهم أن يمتنعوا عن أكل لحم الخنزير وبعض الفواكه. وتنتهي هذه الفترة بوليمة من لحم الخنزير. ثم في المرحلة الأخيرة يحرمون أكل العسل لفترة ثم يبيحونه.
لا تختلف هذه الطقوس كثيراً عن طقوس اليهودية والإسلام التي تُحرّم أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، التي سوف تباح لهم فيما بعد ويسبحون في أنهارٍ منها.
كل الديانات القديمة تُقدّس الطوطم وتمنع المرأة والطفل الذي لم يبلغ الحلم ولم يشترك في “طقس العبور” من لمس الطوطم. والمرأة كذلك تُمنع من تناول عدة أنواع من الطعام. وهي تقريباً نفس التابوهات التي تفرضها اليهودية وكذلك الإسلام على المرأة. أما المصحف بالنسبة للمسلمين فهو الطوطم الذي لا يمسه إلا المطهرون.
الأحلام:
الأحلام مثلت هاجساً كبيراً بالنسبة للإنسان البدائي، وما زالت تمثل هاجساً لشيوخ الإسلام الذين أسسوا برامجاً في الفضائيات لتفسير الأحلام. الإنسان البدائي رأي في الأحلام التي كانت تزعجه عندما يرى شبح أحد أسلافه في النوم، سؤالاً محيراً: ماهذه الأشباح؟ واقتنع أخيراً بأن كل إنسان له جسم وحياة طبيعية، وله كذلك طيف يظهر في الأحلام.
يعتقد كارل جوستاف يانج Carl Gustav Jung (1875- 1961)، والذي كان طبيب أمراض نفسية قبل أن يصبح عالم اجتماع، أن أوهام الأطفال وأحلام المرضى النفسيين أغلبها تدور حول مسائل دينية، وبالتالي هو يعتقد أن الأحلام هي اللغة التي يتحدث بها إله السماء.
يقول ليفي بروول Levy – Bruhl (1857- 1939) الفيلسوف الفرنسي وعالم الاجتماع إن الأحلام تُعتبر في أوربا مواضيع غير قابلة للتحقيق subjective، لكنها تختلط بالحقيقة في الشعوب البدائية. وقد رأينا كيف تمسك شيوخ الإسلام، بل نبيه، بالأحلام وكان يقول لأتباعه إنه رأى فيما يرى النائم. وهناك تشريعات كثيرة وأحكام استنبطوها من أحلام محمد أو أحلام الشيوخ أنفسهم مثل أبي الحسن الأشعري الذي كان معتزلياً ورأى النبي في المنام وطلب منه الأخير أن ينافح عن سنته، فتحول إلى سلفي.
الحج:
في ورقة مطولة عن الحج في كل الأديان القديمة يقول فيكتور تيرنر Victor Turner (1920- 1983):
1- تكون أضرحة الحج غالباً في مكان بعيد عن سكنى القبيلة، ويكون في غار أو جبل أو غابة
2- تُعتبر فترة الحج بمثابة تقاعد عن هموم الحياة اليومية ومشاكلها
3- في موقع الحج يُشدد الحجاج على أن الناس متساوون لا فرق بين الغني والفقير أو بين طبقة وطبقة أخرى من الناس
4- مع أن القيام بالحج يكون خياراً فردياً فهو في نفس الوقت واجب ديني وتكفير عن الذنوب
5- الأماكن التي يأتي منها الحجاج غالباً تكون أبعد كثيراً عن حدود القبيلة أو البلد التي بها المزار
يعتقد تيرنر أن الحج في الديانات السماوية هو عبارة عن تكرار لطقوس العبور التي تمارسها القبائل البدائية. وإذا نظرنا للحج في الديانة الهندوسية نجد أن أكثر من ثلاثة ملايين حاج يأتون كل عام ليسبحوا ويغتسلوا في نهر الجانجيز Ganges المقدس ليرجعوا إلى قراهم كيوم ولدتهم أمهاتهم بدون أي ذنوب. وحج الهندوس لا يختلف عن حج المسيحيين إلمكسيك إلى ضريح العذراء في جوادالوب Guadalupe أو حج المسيحيين الأوربيين إلى “لورد” في فرنسا، وحج المسلمين إلى مكة
ونلاحظ أنه لا يوجد فرق كبير بين محتوى ووظيفة الأديان السماوية عن رصيفتها البدائية. وكلا النوعين من الأديان له أضراره. يقول اريك فروم Eric Fromm (1900 – 1980)، طبيب نفساني وعالم اجتماع، يقول: الأديان خطر على المجتمع لأنها تقدس العادات السيئة عند الإنسان ولأنها تمنع النقد تقود إلى إفقار الذكاء, وكذلك بربطها القيم المثلى في المجتمع بالدين تجعل الأخلاق تقف على قاعدة مهزوزة. سعادة الإنسان وحريته والحقيقة نفسها في خطر لارتباطها بالدين. وهذا هو رأي فرويد في الدين كذلك.
ونجد مثلاً في المسيحية يؤمن المتشددون أن المسيحي الحق يمكنه أن يمسك بالثعابين دون أن تصيبه بأذى.( 18 يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئاً مُمِيتاً لاَ يَضُرُّهُمْ وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ) (سفر مرقس، الإصحاح 16). فنرى هنا أن أي متشدد في دينه يمكن أن يعتبر نفسه من هؤلاء المؤمنين الذين تحدث عنهم المسيح وقال أنهم يمكنهم إمساك الأفاعي دون أن تؤذيهم. وفي دراسة مطولة في أمريكا عام 2000 وجد الدارسون أن 11 شخصاً من مجموع 16 من الذين يمسكون بالثعابين قد عضتهم الثعابين وكل واحد منهم يعرف شخصاً قد أمسك بثعبان عضه فمات (Ralph Hood Jr, the psychology of religion, p 29). فلولا إيمانهم الأعمى بكلام المسيح لما حاولوا القبض على الحيات ولما ماتوا.
وهناك بالطبع كراهية الأخر المخالف مثل فقه الولاء والبراء في الإسلام ومثل الأميين Gentiles في اليهودية. وبالطبع نتج عن هذه الكراهية حروب دينية كثيرة أدت إلى موت الملايين
بالإضافة إلى ذلك نجد مجموعات دينية مغلقة تتزاوج فيما بينها وتمنع الاختلاط بالعالم الخارجي كما يحدث في مجموعة “الأيمش” Amish في أمريكا ومجموعة ال Hutterites في داكوتا وفي كندا. تنتشر الأمراض الوراثية بكثرة في هذه المجموعات نسبة لزواج الأقارب بسبب تعاليم الدين.
إله الأديان السماوية لا يختلف عن إله أو آلهة الأديان البدائية القبلية فهو نتاج وهم وتخيلات إنسانية. تقول كارن آرمسترونج Karen Armstrong التي كانت راهبة قبل أن تتخلى عن الأديان: لا شك أن بعض الصوفية وبعض أحبار اليهود سيقولون لي إن الله نتج من الخيال الخلاق ولا وجود له في أرض الواقع (A History of Religion, p 4).
أما شوبنهور فقد قال إنه لا توجد حقيقة مطلقة ولا يوجد إله ولا توجد روح، فقط الموسيقى والفن يمكن أن تنقذنا (نفس المصدر ص 405). وحتى فيدور دوستيفسكي في قصته الرائعة “الأخوة كرامزوف” يصف فيها موت الإله. أما جان بول سارتر فيقول: حتى لو كان الله موجوداً لوجب علينا أن نرفضه لأن فكرة وجود الله تلغي حريتنا. (نفس المصدر ص 433). والبير كامو يقول: يجب أن يرفض الناس فكرة الله حتى يتمكنوا من إفراغ حبهم على بقية البشر. أما نتيتشه فقد أعلن قولته المشهورة بموت الإله
يتضح لنا من هذا السرد أن الأديان صناعة بشرية بدأت مع المجتمعات البدائية الجاهلة واستمرت حتى الآن يرفع عصاها الشيوخ الجهلاء والحاخامات الذين غالباً لا يعرفون شيئاً غير النصوص الدينية. وضرر الأديان واضح لكل ذي عينين في وقتنا هذا.
og                                   

8,721 مجموع المشاهدات, 3 مشاهدات اليوم

مواضيع ذات صلة:

اضف تعليقك

يجب ان تسجل الدخول لتتمكن من التعليق.

الاعلانات